الشيخ محمد رشيد رضا
10
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصليبية التي أوقد النصارى نارها باسم الدين ، ولم يلق المسلمون مثلها من اليهود ولا المشركين . ويقرب من ذلك سائر الحروب بين المسلمين والنصارى ؟ - فإن عندي جوابين عن هذا السؤال أو جوابا من وجهين : ( أحدهما ) ان ما كان عليه المسلمون من الدين القريب من النصرانية بل الذي هو إصلاح فيها كما قررنا ، لم يكن معروفا عند أولئك الصليبيين ، بل كان للمسلمين صورة في مخيلاتهم غير صورتهم الصحيحة التي طبعها في نفوسهم الاسلام - صورة وثنية وحشية مشوهة أقبح التشويه ، منعكسة عن الكتب والرسائل والخطب التي كان ينشئها بطرس الراهب وأمثاله . ولو وصف للمسلمين يومئذ قوم بما وصفهم به مثير والحرب الصليبية ودعوا إلى قتالهم لنفروا خفافا وثقالا ( ثانيهما ) ان ما في الإنجيل من روح السّلام والمحبة والتواضع والايثار ، والخضوع لكل سلطان ، لم تنتصر في أوربة على روح الحرب والأثرة والكبرياء وحب السيادة في الأرض - تلك الصفات التي كانت قد بلغت في عهد السلطة الرومانية أشدها ، وكانت سبب إبادة الوثنيين من أوربة كلها ، ثم سبب الحرب الصليبية ، ومحاولة إبادة المسلمين من البلاد المقدسة أو الشرق كله ، بل كانت ولا تزال سبب الحروب القاسية بين النصارى أنفسهم بسبب اختلاف المذاهب ، أو التنازع على الممالك ، وكل هذا من تعاليم روح الشيطان ، لا من تأثير تعاليم روح اللّه عليه السّلام ، وان رووا عنه أنه قال : ما جئت لألقي سلاما على الأرض انما جئت لألقي سيفا . فعلم من هذا ان ما كان بين المسلمين والنصارى من عداء فإنما سببه بعد أخد الفريقين أو كل منهما عن هداية دينه ، أو جهالة وسوء فهم وقع بينهما ، وأمر المتأخر من دولهما ظاهر ، لا ينسبه إلى طبيعة دينهما الا جاهل أو مكابر ، فالدولة العثمانية كانت قد فتحت كثيرا من بلادهم بالقوة القاهرة ، فلما دالت لهم القوة ثأروا لأنفسهم ، فإن كان الساسة البلقانيون قد هاجوا شعوبهم على قتالها باسم الصليب والمسيح ، فلم يلبثوا ان كذب اللّه تعالى دعواهم المسيحية بايقادهم نار القتال بينهم ، فما زال أئمة السياسة المضلين من الفريقين يتخذون الدين أخدوعة يخدعون بها العامة لتأييد